جي آر ويلستد

85

رحلات في الجزيرة العربية

وعندما كنا نتناول طعامنا في المساء ، لم نستطع منع أنفسنا من أن يهنئ أحدنا الآخر لعودتنا من الرحلة ، التي جعلتنا بفضل توكيد العرب المستمر الذين أخبرناهم بها ، نصدق باستحالة تحقيقها إلا بعد بذل جهد جهيد وتحمل مخاطر شديدة . في البركة أو ( بركة الموز ) ثمة حصن يحتوي على قلعة فسيحة الأرجاء جميلة المظهر يملكها شيخ ( السويق ) وينتشر من حولها العديد من البساتين الكبيرة والمزارع الواسعة . والأشجار في هذه البقعة لا تعد ولا تحصى ، ومن هنا جاءت التسمية . وثمة نهر كبير يدعى ( الفلج ) يزود المنطقة بالمياه ، وتتمتع البركة ، بسبب موقعها بجو بارد جميل تهب نسماته من الجبل الأخضر وتشتهر بكونها ذات مناخ صحي جدا . الأول من يناير / كانون الثاني : بعد أن كافأت الشيخ بالهدية الموعودة ، التي فرح بها أشد الفرح ، حصلنا على عدد جيد من الحمير وانطلقنا إلى ( نزوى ) . وبعد مغادرتنا المكان بوقت قصير ، استقبلنا شيخ المنطقة بحرس من خمسين رجلا يعتلون صهوات الإبل . وعلى الرغم من أن الشيخ كان يبدو متعاليا في سلوكه مع أتباعه وأشد تباهيا من الزعماء الآخرين في ردائه عندما يكون في المدينة ، إلّا أنه هنا ، وبالمقابل ، يشترك مع أتباعه في لبسه ، إذ لا يرتدي أكثر من قطعة قماش ملفوفة حول وسطه ويضع عمامة فوق رأسه . ولما سألته عن سبب ذلك أجاب بأن المرء إذا ما ارتدى ثيابا تجعله يبرز بين بقية الأفراد ، فإنه سرعان ما يميزه رماة البدو من بين رفاقه باعتباره القائد أو الزعيم ، وسيكون على الأرجح أول الذين يلقون مصرعهم . كان هذا الكلام مسليا . إلا إنني اضطررت إلى أن أعزو ذلك إلى سبب آخر . فالأشخاص الذين يعيشون في المدن والواحات المنتشرة انتشارا واسعا في الصحراء ، لا يفقدون - بسبب رحلاتهم المتكررة من مكان إلى آخر - إلا قدرا قليلا من ارتباط البدوي الحقيقي بالعيش في الصحراء أو التنقل في أرجائها ، بل وتبدو عليهم مظاهر الفرح الشديد عندما تضطرهم مناسبة أو حادثة للقيام بذلك . وكما لاحظت في مثل هذه المناسبات ، فإن أفعالهم تتجه كلها إلى التشبه - إلى أبعد حد ممكن - بالبدو في الملبس والسلوك . إن التبدل من حيث المظهر بدءا برزانة البدوي المقيم وحسن تصرفه لينتهي بالضحك والمرح والنزوات الجامحة عند البدو المتنقّل ، إنما يبعث على السرور كثيرا .